بقلم: عطية مسّوح
هل يمكن لانهيار نظام ينسب نفسه إلى فلسفة ما أو يعدّها مرجعية فكرية له، أن يقود إلى استنتاج انهيار تلك الفلسفة؟ يحيلنا هذا السؤال إلى ثنائية النظرية والتطبيق أو الفكر والممارسة، ويضع أمامنا أمثلة بعيدة أو قريبة لأنظمة سياسية واجتماعية انهارت بعد زمن طويل أو قصير من قيامها،
ويحث الباحثين على دراسة تلك الأمثلة دراسة عميقة تستند إلى منهج علمي يتقصّى عوامل الانهيار المختلفة، الداخلية والخارجية، والبنيوية والطارئة المتصلة بالفكر والمتصلة بالتطبيق والممارسة، والذاتية المتعلقة بطبيعة القائمين على تلك الأنظمة ومفاهيمهم وسلوكهم، والموضوعية المتعلقة بمختلف جوانب الواقع الداخلي والمحيط، وغير ذلك.
وقد يجد الباحث المتأني والمتعمق، أن ثمة شيئاً من كل تلك العوامل، أسهم في انهيار النظام موضع البحث، وأن ثمة نقاط ضعف في المرجعية الفكرية للنظام، بُنيت عليها اتجاهات عمل أو ممارسات غير ملائمة للواقع وتطوره. وهذا ما يدفع بالباحثين العاملين في الحقل الذي تقع فيه تلك المرجعية الفكرية، إلى تقصّي نقاط الضعف ومعالجتها انطلاقاً من التجربة الواقعية ومعطياتها.
إن جدل الفكر والممارسة، أو النظرية والتطبيق، يعني، فيما يعنيه، أن قيام ممارسة عملية، أو نظام سياسي ما، على أساس فلسفي محدّد يستوجب اهتداء الممارسة بتلك الفلسفة ومراجعة الفلسفة وتدقيقها الدؤوب انطلاقاً من التجربة التطبيقية والممارسة العملية.
هذا الجدل، هو المولّد الحقيقي لتطوّر الفكر الإنساني عامة، وكل فلسفة أو اتجاه فكري. فتطور الفكر يجري وفق قوانين داخلية (جدل الأفكار فيما بينها، وتولد الفكرة من الفكرة، وغير ذلك) وقوانين خارجية تتصل بالواقع (جدل الفكر والواقع، وتدقيق الفكر من خلال الممارسة). وهذا الجدل ذاته، هو ما دفع إلى ولادة مفردات ومصطلحات تعبر عن مضامين تنظم مسيرة تطور الفكر وتدفعها إلى الأمام، مثل: التجديد والاجتهاد والتأويل، وهي مفردات ذات دلالات اصطلاحية، تدخل في لغة البحث الفلسفي وفي نشاط العاملين في مختلف الحقول الفكرية. وحضور هذه المصطلحات حضوراً فعلياً في أي مذهب أو فلسفة هو ما يحقق استمرار الفاعلية، والتأثير في عقول الناس وحياتهم الواقعية.
إن الفلسفات لا تموت، ولا تنهار، ولا ينتهي دورها في الحياة. والذي يحكم مصيرها هو قانون التراكم والحلول، لا قانون الانهيار أو الموت. والعودة إلى تاريخ الفلسفة تبيّن ذلك بوضوح. ونحن ما نزال نتغنى بالقيم التي شكّلت جوهر الفكر الفلسفي اليوناني، وما قبله أو بعده، ونسعى إلى تحقيق الصورة العليا للحقّ والخير والجمال، ولا أظن باحثاً يتصور طريقاً لتطور الفكر الإنساني غير طريق التراكم والتواصل والحلول، وأعني بالحلول دخول بعض أفكار فلسفة ما في فلسفة جديدة تالية، وتحولها إلى مكون فيها، وجزء من بنيتها. ومن يدرس أي فلسفة في عصر من العصور يجد نوعاً من أنواع هذا الحلول، ويتلمس حضور عناصر فلسفة أو فلسفات سابقة في الفلسفة التي يدرسها. وبغير ذلك يظل الفكر الإنساني، الفلسفي وغير الفلسفي، حلقات متقطعة ينفصل بعضها عن بعض، وتبدأ كل فلسفة، أو تيار فكري، من نقطة الصفر أو ما يقاربها.
أثارت لديّ هذه الأفكار قراءتي افتتاحية العدد الأخير (آب 2008) من مجلة (المعرفة) الجادة والغنية التي تصدرها وزارة الثقافة، وقد كتبها السيد الوزير الدكتور رياض نعسان آغا، وزير الثقافة، والمثقف العربي المعروف، وناقش فيها مواقف المثقفين العرب من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وأشار إلى ما ظهر في ممارساته من سلبيات جعلت الباحثين يتناسون إيجابياته، وأهمها موقفه في وجه المساعي الصهيونية لإقامة دولة يهودية في فلسطين، ووقوفه في وجه الهجرة اليهودية المنظمة إليها، ومنعه بيع الأرض للمهاجرين اليهود.
ويبيّن السيد الوزير في مقالته، مواقف جماعة (الاتحاد والترقي) التي كانت أشد قسوة من مواقف عبد الحميد علينا وعلى لغتنا وقوميتنا العربية.
ويشير السيد الوزير بعد ذلك إلى ما طرحه المثقفون والمتنورون العرب في مواجهة التسلط وهيمنة الدولة العثمانية، من أفكار علمانية، ويقول: (وأنا أدرك أهمية الوعي الجديد لتفسير العلمانية بأنها لا تتناقض مع الأديان، فنحن عِلمانيون (بكسر العين) كيلا يظن أحد أننا ندعو إلى العالمانية أو العَلمانية (بفتح العين) التي تقوم على الإلحاد وقمع الدين وتقول إن العالم خلق نفسه بنفسه).
وفي هذه الفقرة يسهم السيد الوزير في مناقشة المصطلح واشتقاقه، وهي مسألة كثر الكلام فيها والكتابة عنها بين الباحثين العرب في عصرنا، ومنهم محمود أمين العالم وعزيز العظمة وطيب تيزيني وجورج طرابيشي وأحمد برقاوي ويوسف سلامة وكاتب هذه السطور، وغيرهم وغيرهم. لكن المتحاورين جميعاً كانوا يؤكدون أن العلمانية، سواء أكُسرت عينها أم فُتحت، لا تعني الإلحاد، وأن العلماني قد يكون مؤمناً، وغير العلماني قد لا يكون متقيداً بتعاليم الأديان.
أما إذا أردنا أن نبحث عن صلة ما للعلمانية (بكسر العين أو فتحها) بالإلحاد، فقد نجد العلمانية (بكسر العين) أقرب إليه، لأنها تعني الاحتكام إلى العلم، والعلم يقوم على التجربة والشك والبعد عن التسليم والأحكام المسبقة، وقد يوصل في بعض المجالات إلى نتائج لا تتفق مع الدين الذي يقوم على الإيمان والتسليم. أما العَلمانية (بفتح العين) فهي تقوم على الفصل بين العالَم، أي الحياة الدنيا، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، والدين، لا من منطلق عدم الاعتراف بالأديان، بل من منطلق البحث في القضايا الدنيوية بحثاً مستقلاً عن الأديان، واستنباط الحلول لمشكلات المجتمعات من الحياة الاجتماعية ذاتها. وجوهر ذلك هو فصل الدين عن الدولة، أو ما عبر عنه السيد الوزير بقوله: (فصل السلطات الدينية والمدنية)، وهذا لا يعني أن يكون العَلماني (بفتح العين أي نسبة إلى العالم والحياة الدنيا) ملحداً.
إن العَلمانية بفتح العين هي التي ترعى مبدأ المواطنة وتؤمن للإنسان حقوقه الطبيعية السياسية والوطنية، وتصون حرية الاعتقاد ومن ضمنه الاعتقاد الديني.
ويختتم السيد الوزير مقالته، بعبارة، كانت الدافع لي لكتابة هذه المقالة، وهي: (... وبين الفلسفات التي رفضت حضور الدين حتى في النفوس، فانهارت تلك الفلسفات القمعية، وبقي ما في النفوس راسخاً وسيبقى).
أعود إلى ما بدأت به مقالتي: هل تنهار الفلسفة؟ وهل نستنتج من انهيار نظام معين، ينسب نفسه إلى فلسفة ما أو فكر معين، انهيار تلك الفلسفة أو الفكر؟
أيمكن أن نستنتج من انهيار الإمبراطورية الرومانية بعد اعتناقها المسيحية، انهيار المسيحية ذاتها؟ أيمكن لأحد أن يُحمِّل تمزّق الدولة العربية الإسلامية للدين ذاته؟ أيمكن أن نعيد فشل الوحدة السورية المصرية، أو فشل المشروع السياسي الوحدوي للقوى القومية والتقدمية العربية إلى خطأ فكرة القومية العربية ذاتها؟ والأمثلة كثيرة وكثيرة، ولا أظن أن فلسفة قوية وذات حضور في الفكر الإنساني الحديث كالفلسفة الماركسية التي يقصدها السيد الوزير، يمكن أن تنهار أو تخرج من دائرة التأثير في الفكر والواقع، بل تشير الكثير من الوقائع إلى أنها كغيرها من الأفكار الإنسانية النيرة والتقدمية، ما تزال ضرورية للشعوب المستضعفة، وللكادحين، وهم يقاومون وحشية الرأسمالية والاستغلال، والجوانب السلبية في العولمة التي تعبر عنها سياسة الولايات المتحدة والتي نعاني نتائجها نحن العرب أكثر من سوانا.
عطية مسّوح
كتبها فادي زيدان في 08:26 صباحاً ::
الاسم: فادي زيدان


