يامتعبي و مضطهدي العالم اتحدوا


ماركس ونابليون والمحكمة الدولية

كتبهافادي زيدان ، في 3 حزيران 2007 الساعة: 12:22 م

كارل ماركس له مقولة شهيرة ذهبت مثلاً: "التاريخ ماكر. فهو قادر على جعل بطل الأمس التراجيدي، نكتة اليوم الكوميدية".

كان ماركس يحاول شرح السبب الذي جعل نابليون الأول يظهر عملاقاً في أواخر القرن الثامن عشر، ونابليون الثالث قزماً في منتصف القرن التاسع عشر. وهو لم يجد تفسيراً لذلك سوى تغير الظروف الموضوعية التي أحاطت بالرجلين.

هل يمكن تطبيق مقولة ماركس هذه على المحكمة الدولية حول لبنان التي أقرها مجلس الأمن بالأمس؟

أجل. وإلى حد كبير أيضاً.

في البداية، غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، كان قرار تشكيل المحكمة الدولية زلزالاً حقيقياً أثار القشعريرة في أبدان الجميع في سوريا ولبنان وما وراءهما في الشرق الأوسط. لماذا؟ لأنه (القرار) سقط على المنطقة وهو مدجج بكل أنواع الأسلحة: وفاق فرنسي أمريكي على حساب الوجود السوري في لبنان؛ مقاطعة أمريكية شاملة لدمشق؛ قرارات متلاحقة من مجلس الأمن لدعم السياستين الأمريكية والفرنسية في بلاد الأرز. وأخيراً، قوات أمريكية "إسرائيلية" قبل عدوان يوليو/تموز تزرع أسناناً حادة في فم هذه التطورات.

بيد أن كل هذا كان في البداية. أما في النهاية فالصورة تبدو مقلوبة رأساً على عقب: المشروع الفرنسي الأمريكي المشترك علق في عنق زجاجة الشلل الحكومي النيابي الذي خلقه صراع المعارضة والموالاة، انتهاء ب "حروب التظاهرات الجماهيرية السلمية"، وعودة منطق العنف والتفجيرات إلى لبنان؛ والأهم، انتقال الولايات المتحدة من حالة الهجوم العام في الشرق الأوسط إلى حالة الدفاع العام.

الظروف المحيطة بالمحكمة الدولية تغيرت بشكل كامل. وبرغم أن تشكيل هذه المحكمة ووضع مداولاتها قيد التنفيذ سيكون حدثاً مهماً، فإنه سيبقى تطوراً تكتيكياً محدوداً في مقابل المصالح الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة.

واشنطن مهتمة الآن بإعادة نشر قواتها في العراق، لا بنشر سلطة القانون في الشرق الأوسط. وهي من أجل الهدف الأول مستعدة للتضحية تماماً بالهدف الثاني. وهذا يتضمن، من ضمن ما يتضمن، وصل ما انقطع من حوارات مع دمشق، واستئناف التعاون معها في مجالات الإرهاب، وحفزها على دعم التوجهات الأمريكية الجديدة في العراق.

إدارة بوش لا تزال تتمنع عن الإقدام على هذه الخطوة علناً. لكنها فعلت ذلك مع عدوها اللدود إيران قبل أيام، ولن يكون الوقت بعيداً قبل أن تقوم بالأمر نفسه مع سوريا. لا بل الأرجح أن يحدث ذلك فور اللقاء المرتقب للوزيرين المعلم ورايس.

وحينها، ستكون الدائرة أغلقت تقريباً حول المحكمة الدولية، فلا يبقى منها سوى قوقعة خارجية فارغة.

لقد دعت "فاينانشيال تايمز" قبل أيام إلى الإسراع في تشكيل المحكمة، لأن ذلك برأيها "سيطلق رسالة قوية إلى كل السلطات الديكتاتورية في المنطقة تحذرها من المضي قدماً في سياساتها التعسفية".

حسناً. ربما كان هذا صحيحاً. لكن هذه السلطات تعلم أن شعارات سلطة القانون وحقوق الإنسان والديمقراطية باتت من أحاديث الأمس، بعد أن انقلب الحلم الديمقراطي في العراق إلى كابوس طائفي وحروب أهلية متصلة. ما هو مطروح اليوم أمريكياً هو العودة إلى سياسة "الانغماس الإيجابي" مع كل الأنظمة العربية، وفي مقدمها النظام السوري.

وفي مثل هذه الظروف، قد لا تكون حظوظ المحكمة الدولية أفضل كثيراً من حظوظ نابليون الثالث في لعبة التاريخ التراجيدية الكوميدية الماكرة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شؤون داخلية, شيوعيات | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “ماركس ونابليون والمحكمة الدولية”

  1. كل ما هو ضروري في عصر يصبح رفاهية في عصر آخر.. هذه المقولة اللينينية تتضح أهميتها كل لحظة..

    التاريخ فعلاً ماكر.. والأمة التي وعت وقرأت التاريخ جيداً.. لن تضيع في خياراتها طويلاً…

    المحكمة الدولية قادمة .. سيف صنع جيداً ليناسب كل الرقاب.. ولأن التاريخ ماكر.. لا نعرف أين سيهوي هذا السيف..

    مع أمل أن تنتهي الفتنة المشتعلة ..

    تحياتي لك وأنا سوري آه يانيالي..

  2. عصام سحمراني قال:

    “”حسناً. ربما كان هذا صحيحاً. لكن هذه السلطات تعلم أن شعارات سلطة القانون وحقوق الإنسان والديمقراطية باتت من أحاديث الأمس، بعد أن انقلب الحلم الديمقراطي في العراق إلى كابوس طائفي وحروب أهلية متصلة. ما هو مطروح اليوم أمريكياً هو العودة إلى سياسة “الانغماس الإيجابي” مع كل الأنظمة العربية، وفي مقدمها النظام السوري.”"

    لكن هذا لا ينفي أن التغيير لا بدّ أن يتم في منطقتنا العربية التي ترزح تحت ديكتاتوريات ملوك وأمراء وشيوخ وسلاطين ورؤساء معظمهم متأمرك منذ استقلالها ولم تتمكن حتى الأحزاب الجماهيرية وفي مقدمها أحزاب اليسار من التغيير..

    علينا العمل قبل كل شيء ضد العلاقة الأميركية مع أنظمة المنطقة.. فهذه العلاقة حين تكون سيئة نفكر بالتغيير سلباً أم إيجاباً، وحين تكون جيدة نقتنع تمام الإقتناع أن لا تغيير في الأفق..

    سلامي إليك

    مع التحيات



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول



 كل شيء عن سورية

سيريا نيوز , سوريا نيوز ,أخبار سوريا , أخبار سورية

سوريا أخبار , أخبار سورية , سورية الحرة ,كل شيء عن سوريا , أخبار سويا , سوريا , سوريا الوطن , الوطن سوريا , دمشق عاصمة الثقافة , سوريا , سورية , كل شيء عن سورية سوريا كل شيء , سوري , أنا سوري , سوري , سياسة , سياسة سورية , دمشق عاصمة الثقافة,  سوريا السياسة , سوريا سياسة , سياسة سوريا , أخبار , سورية , سوري , سورية , سوريات , أحزاب سورية , دمشق , الشام , أبواب الشام , آثار الشام , آثار دمشق , كل شيء عن دمشق , دمشق شام , شامي , سوري , الشام , الشام الله حاميها , شامي , دمشقي , الأخبار , أخبار الشام , أخبار الشارع السوري , الوطن , دمشق عاصمة الثقافة , الثقافة , الثقافة السورية , سوري , أنا سوري