القافلة تنبح و(الاتصالات) تسير!!
خالد الاختيار ـ زفّ المدير العام لمؤسسة الاتصالات السورية مؤخرا لمواطنيه نبأ عن مشروع تأمين خطوط انترنت بالحزمة العريضة ADSL في البلاد, واعدا السوريين بتوفير 33 ألفا من تلك البوابات, وذلك على مرأى ومسمع من السفير الصيني في دمشق الذي ستتولى شركة من بلاده تنفيذ ذلك العقد الفريد الذي طال انتظاره.
وفي السياق ذاته تعلن وزارة التقانة عن توقيعها مع سلطة الاتصالات القبرصية اتفاقا موازيا لإقامة كبل بحري بين البلدين قادر على مواكبة الطلب المحلي المتنامي للنفاذ إلى شبكة الانترنت العالمية, وليكون –الكبل الجديد- رديفا لكبل قديم ممتد بين البلدين منذ أواخر القرن الماضي يربط بين طرطوس ومنتاسخينس كان معدا أصلا للاتصالات الهاتفية.
هذا, إضافة إلى اتفاقية أخرى بين مؤسستي الاتصالات –بين سورية وقبرص كذلك- لتحسين سرعة الانترنت السوري مرتين ونصف -وصولا في مرحلة لاحقة إلى 10 أضعاف!- عما هو عليه الحال راهنا, بكلفة إجمالية يتوقع لها ان تبلغ عدة ملايين من الدولارات.
ناهيك عن مشاريع ثنائية مماثلة قيد الدراسة مع مصر, والأردن, وتركيا, وإيران, تضاف إليها العروض المحلية من هواتف الجيل الثالث القادرة على تصفح الشبكة العنكبوتية الدولية بسرعات تصل حتى 3.5 جيغابايت\ثا, والسعي المعلن لوزارة الداخلية أيضا وأيضا لتركيب بوابتها الالكترونية الخاصة في إطار أتمتمة السجل المدني السوري, وغيرها الكثير من الأنباء التي يستشف المراقب منها عزما حكوميا على تحسين خدمة الانترنت في البلد, والتي دأب محللون من ذوي الاختصاص على وصف وضعها بالكارثي, مقارنة بالبلدان المجاورة, من حيث اتسامها بعدم الاستقرار, والبطء, وارتفاع سعر خدماتها, جنبا إلى جنب مع تواضع الخبرات المهنية المشرفة على تسيير أمورها, وحل مشاكلها.
لكن الذي يلفت النظر حقا إلى حد يثير العجب, بل الاستفزاز, ضمن هذه المعمعة (الإعلانية) الوردية؛ هو ذلك التخبط الاداري المستفحل, وتضارب المصالح الفاقع بين الأيادي (والأقدام أحيانا) التي تتقاذف هذا القطاع, والذي غالبا ما تسبغ عليه أدبياتنا الخطابية المناسباتية صفة (المستقبلي) و(الحيوي) و(الاستراتيجي).
ففي الوقت الذي تحاول مؤسسة الاتصالات فيه إقناعنا عبر عشاءات العمل وصبحيات التصريحات, وماراثون الاتفاقات والامضاءات الذي تخوضه إقليميا ودوليا, بأنها حسمت أمرها تجاه النهوض بالبنية التحيتة البائسة لخدمة الانترنت في البلد, نجد أطرافا وجهات أخرى في الحكومة السورية وسلطاتها ومراكز قرارها, وكأنها تعمل على المقلب الآخر (بالمعنى العامـّي للمقلب) وفق أجندة خاصة ومستقلة, تناقض إلى مدى بعيد وعلى أكثر من صعيد كلام النهار الإخباري.
وإلا فما هو تبرير العودة مؤخرا إلى ذلك التشدد المفاجئ في التعاطي مع مقاهي الانترنت المحلية, والذي وصل حد تعليق رخص بعضها وإغلاقها في قلب العاصمة دمشق, والتضييق على رواد تلك المقاهي من خلال إلزام أصحاب (الكافيات) الطلب إلى زبائنهم كلما أرادوا الولوج إلى الشبكة الدولية إبراز هوياتهم أو جوازات سفرهم, وإتباع ذلك بتسجيل الأسماء, والأرقام, والمعلومات الشخصية الأخرى, وحفظها في جداول خاصة لإبرازها (عند الطلب)؟!.
في إجراء يبدو وكأن الهدف من وراءه هو الإصرار على مجرد وضع مزيد من الحواجز المادية والنفسية بين المواطن السوري وبين ثمار هذه “الثورة المعلوماتية” -على حد تعبير مدير الاتصالات ذاته- التي يرفل فيها باقي سكان الأرض من غير السوريين, أو أولئك السوريون خارج حدود هذه الأرض!
ففي حين توضع الخطط والاستراتيجيات, وتصرف الأموال والاستثمارات لتوطين التكنولوجيا المتقدمة, وتعريف الناس في أقاصي الريف السوري بالانترنت –حيث لا ماء أحيانا ولا كهرباء- عبر الحافلات والباصات المصممة خصيصا لهذا الغرض, نجد بين ظهرانينا من يسعى جاهدا إلى الإمعان في تغريب السوريين عن أداة بالغة الأهمية والخطورة –باعتراف الخطاب الرسمي الحديث- في تطوير حاضرهم, واستشراف مستقبلهم.
فهل يعقل أن تنصب الحواجز المادية والافتراضية اليوم فيوجه مواطنينا, وان تكون الانترنت في بلادنا (على الهوية)؟
وكأن على السوري الذي يفكر في سبر غور هذا الفضاء المعرفي الممتد, أن يشعر قبل أن تلمس أصابعه لوحة مفاتيح الحاسب أمامه بشعور من يلج أرضا أجنبية, أو يتخطى حدودا محرمة, أو يوشك على تهريب ممنوع من بلد آخر, وهو في وطنه, وبين أهله؟!
بل إن من المؤسف حقا أن المؤسسة العامة للاتصالات تتبنى بالفعل لا بالمجاز مفردة “التهريب” حرفيا, ولا تخجل من إطلاقها على الاتصالات التي قد يجريها شخص ما مع قريب أو صديق أو بعيد, عبر الانترنت, رغم ان أعدادا متزايدة من بلدان العالم باتت اليوم تعتبر هذا النوع من “التهريـبـ\ـصالات” جزء لا يتجزأ من تقنيات التواصل المعاصرة, في حين تركن مؤسستنا المحترمة إلى شن حملات شعواء في طول البلاد وعرضها لمداهمة مقاهي الانترنت, وإغلاق العشرات منها على هذه الخلفية.
محملة المواطن العادي جريرة ترهل تشريعاتها المتخلفة, وتراخي كادرها الإداري عن اقتراح بدائل ومخارج قانونية مدروسة, ترد المليارات الخمسة المزعومة –قيمة المكالمات “المهربة”- وتردع الارتجالات غير المنضبطة, والتي تفتح أمام “لمهربين” الحقيقيين من بعض موظفي المؤسسة نفسها أبوابا في الفساد والرشوة والسرقة الموصوفة, من نمط ذلك المهندس الذي ألقي القبض عليه في الحسكة أوائل العام الحالي بجريمة ابتزاز أصحاب مقاهي الانترنت في منطقته, والطلب إليهم دفع رشاوى بلغت عشرات الآلاف من الليرات, مستخدما سيارة دائرته في (مهماته الرسمية), ومستغلا منصبه في لجنة مخالفات ورخص مقاهي الانترنت في المحافظة.
هذا إن لم نجاوز ذلك الموظف وسرقاته إلى ما هو أعظم شأنا وخطرا مما كان يوما مانشيتات صحفية عريضة لم تجد حتى الجرائد الرسمية بدا من نشره والتعريض به.
وتشترط الإدارة التجارية في المؤسسة العامة للاتصالات السورية على من يرغب في الحصول على (رخصة استثمار مقهى انترنت) الحصول على موافقة وزارة الداخلية، كما أن البندين الرابع والسادس يلزمان موفر الخدمة توفير المعلومات الخاصة بالمتصفحين للسلطات المختصة، تحت طائلة سحب الترخيص ممن يرفض ذلك.
فأين هذه الإجراءات (الرادعة) من تلك الند
المزيد